ابن عجيبة

140

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

سكن ؛ لبقاء خيال ذلك في حق غير الأنبياء . وأما هم فلم يبق لهم ظلّ الهوى ، فبشّروا بالنجاة ؛ فلم تغرهم البشرى ؛ لأنهم لم يبق لهم نفوس ، فتستبدّ وتجور إذا أمنت السقوط ، ومن بعدهم بقي لهم في نفوسهم شئ فمنعوا البشرى ، وأبهم عليهم الأمر ؛ صنعا بهم ؛ ونظرا لهم ، لتكون نفوسهم منقمعة بخوف الزوال . هذا هو الأصل فافهمه . ه . وحاصل كلامه : أن غير الأنبياء لا ينقطع عنه خوف التحويل ، بل يسكن خوفه فقط ، ولا يبشّر بالأمن إلا الأنبياء ، وهو الصواب ، لبقاء قهر الربوبية فوق ضعف العبودية ، قال تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ * « 1 » . واللّه تعالى أعلم . ثم مدح خليله بما أظهر على يديه من الحجة والعلم ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 83 ] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 83 ) قلت : ( على قومه ) : متعلق بحجتنا ، إن جعل خبرا عن ( تلك ) ، وبمحذوف ، إن جعل بدله ، أي : وتلك الحجة آتيناها إبراهيم حجة على قومه . ومن قرأ : « درجات : بالتنوين ؛ فمن نشاء : مفعول ، ودرجات : تمييز . يقول الحق جل جلاله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ، إشارة إلى ما تقدم من استدلاله على وحدانيته تعالى بأفول الكوكب والقمر والشمس ، واحتجاجه بذلك على قومه ، وإتيانه إياها : وإرشاده لها وتعليمه إياها ، قال تعالى : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ في العلم والحكمة ، أو في اليقين والمعرفة ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في رفعه وخفضه ، عَلِيمٌ بحال من يرفعه ويخفضه ، وبحال الاستعداد لذلك . الإشارة : رفع الدرجات في جنات الزخارف يكون بالعلم والعمل وزيادة الطاعات ، ورفع الدرجات في جنة المعارف يكون بكبر اليقين ، والترقي في شهود رب العالمين . وذلك بحسب التبتل والانقطاع ، والتفرغ من شواغل الحس ودوام الأنس . واللّه تعالى أعلم . ومما خصّ به إبراهيم عليه السّلام وكان زيادة في درجته ، أن الأنبياء جلّهم من ذريته ، كما قال تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 84 إلى 90 ] وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 ) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ( 90 )

--> ( 1 ) من الآية 18 من سورة الأنعام .